احمد حسن فرحات
69
في علوم القرآن
وقد علمنا وقوع هذه الأمور الثلاث ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يقرأ عليهم سورة القرآن كاملة ، وهذا لا يكون إلا بعد أن قرئ عليهم بنسق خاص فأخذوها منه ، وكان يأمرهم بوضع الآيات بمحلها اللائق بها ، ثم بعد ذلك إذا نزلت عليه آيات مبيّنة ضمها للقرآن . فترى هذه المبينات ربما وضعت بجنب ما تبينه ، وحينا في آخر السورة إن كانت متعلقة بعمودها . وترى في أكثر هذه الآيات تصريحا بأنها بيان من اللّه تعالى ، كقوله عز من قائل : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ ( 187 ) [ البقرة ] « 1 » . ثم عرض عليه جبريل الأمين عرضة أخيرة بعد تمام القرآن ، كما جاء في الخبر الصحيح المتفق عليه ، فآتاه القرآن بتمامه مرتّب السور ، فكان مواقع السور فيه مثل مواقع الآيات مما ألقي عليه ، وعلّم الأمة كما تلقى من الروح الأمين « 2 » . وبهذا البيان نعلم أن هذا القرآن الذي بين أيدينا - بترتيب سوره وآياته - هو نفسه الصحف المكرمة - بيد الملائكة - الواردة في قوله تعالى : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) [ عبس ] . وهو نفسه المشار إليه بقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) [ الزخرف ] . بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج ] ، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] . وكما تكفّل اللّه بحفظه في الأرض فإنه محفوظ أيضا في السماء :
--> ( 1 ) ذكر الفراهي أمثلة لهذا البيان في كتاب « فاتحة نظام القرآن » : 4 . ( 2 ) « تفسير سورة القيامة » للفراهي : 26 - 28 .